Page 10 - 2012-34
P. 10
ولننظر إلى هذه اللفتة الذكية من إمام النحاة ( سيبويه ) من خلال ما أورده في
كلامه عن المقام ومقتضى الحال إذ يقول « :ألا ترى أنك لو قلت :يا لزيد ،وأنت
تحادثه لم يجز ».لأن الموقف والمقام ومقتضى الحال لا يتطلب هذا الأسلوب في أثناء
المحادثة ،فلم ينظر سيبوبه إلى ضبط أواخر الكلم فقط .وإنما اهتم بالأسلوب الذي يعبر
عن الموقف بوضوح ودقة وصدق.وما أكثر ما نجد في الكتاب من مثل هذه العبارات
والنماذج الدالة على عناية سيبويه بالجانب الدلالي للتراكيب والأساليب.
فهل يبقى -بعد هذا الذي قررناه -لزاعم أن يزعم وي ّد ِعي أن النحو العربي
لم يهتم بالمعنى ومقتضى الحال ،والظروف الاجتماعية والنفسية المؤثرة في فن
القول ،وإنما كان ه ّمه الصياغة وضبط أواخر الكلم في الجملة العربية ؟ لا ليس
الأمر كما زعموا ويزعمون فقد فتق سيبويه هذه القواعد في النداء والاستغاثة
والندبة ،وخروجها إلى معان أخرى ،ومن خلال التعمق في النظرة إلى معاني
السياق الواردة فيه ،وما يحمل من معان خفيه ثانية(.)3
وبهذا فإن سيبويه قد أنار السبيل للبلاغيين بعده ،لأنه أدرك معنى النظم في
كتابه ،ولأن النحو لم يكن عنده تعليلا لحركات أواخر الكلمات وإعرابها في السياق
اللغوي ،وإنما كانت معاني النحو الم َع ّول الرئيسي في الدرس النحوي عنده(.)4
ومن الاتهامات غير المؤسسة على أدلة وبراهين علمية أ ّن النحو العربي لم
يحفل بدراسة الجملة ،وأ ّن النحاة ركزوا اهتمامهم على دراسة المفردات ..والحق
أننا عندما نتصفح كتب النحاة وآثارهم ودراساتهم نلحظ بوضو ٍح أ ّن تلك الدراسات
كانت تعنى بالجملة كما تعنى بالمفردات .فهذا كتاب سيبويه – وهو أقدم كتاب
شامل في النحو العربي -خير دليل على ما نقول ،فسيبويه ،وإن لم يستعمل مصطلح
(جملة) ،نراه يتعرض إلى أركانها وما يلحقها ،حين يتناول قضايا المسند والمسند
إليه وما يتعلق بهما ،وهو يم ّثل لكل ذلك بمصطلحات زمانه .فعند كلامه عن المسند
و المسند إليه يستعمل مصطلحي :المبني ( أي :الخبر لأنه ُيـ ْب َنى على المبتدأ )
والمبني عليه ( أي :المبتدأ لأنه ُي ْب َنى عليه الخبر )كما يستعمل مصطلح ( الكلام
-2-

