Page 14 - 2012-34
P. 14
جانب المحال في الكلام؛ والثانية هي أ ّن المتكلم لا يستطيع شرب ماء البحر في
الحقيقة ،وهذا جانب الكذب الدلالي في الكلام ..ولو اس ُت ْبدل ْت هذه الكلمات بكلمات
أخرى بينها تناسب دلالي لتحول الكلام من محال كذب إلى مستقيم حسن؛ كأن يقال
مثلاً :سوف أشرب عصير البرتقال غداً ،إذ يكون هناك تناسب دلالي بين :سوف
و غداً ،باعتبارهما قرينت ْين تخ ّصان المستقبل ،أي أ ّن ث ّمة تأكيداً على أ ّن الفعل لم
يقع في الماضي ،وأنه مخلَّص للاستقبال؛ وتكون القرينة الثانية ( غداً ) بمنـزلة أداة
توكيد للأولى ،فينتفي جانب المحال من الكلام؛ ويكون هذا التناسب الدلالي أيضاً في
المعنى بحيث يكون من الممكن شرب عصير البرتقال على الحقيقة.
والجدير بالملاحظة أ ّن هذا الكلام المحال بكل أنماطه ،لا مجال لقبوله في
العربية إلاّ بعد استبدال أجزائه بأخرى بحيث يتحقق التناسب شكلاً ومعنى .وأ ّما
الكلام الكذب فله مجال للقيول من جهة المجاز ،إذ يكون على سبيل التشبيه أو الكناية
أو غير ذلك مما يدخل في المجاز ..غير أ ّن سيبويه لـم يكن يقصد المجاز في تقسيمه
الذي وضعه للكلام .وإنما يتعلّق الأمر في ذلك بالحقيقة .والذي يؤ ّكد أنه لم يكن
يقصد المجاز هو استعماله لمصطلح ( الكذب ) وهو الكذب الدلالي الذي يراد به
المجاز .وما دام قد أدخل المجاز فيما هو كذب فقد أخرجه من ح ّيز الدراسة .وعلى
هذا نستطيع أن نطلق على مصطلح الكذب الذي استعمله سيبويه ههنا اسم ( الكذب
المجازي ) على اعتبار أنه يتصل بالمجاز..
ولم يقف جهد سيبويه عند حدود المعاني الظاهرة للجمل والتراكيب ،ولم
تقتصر عنايته على النظر في بنية الجملة نحو ّياً ودلاليـاًًّّ وحسب ،وإنما تجاوز
ذلك إلى البحث في أسرار التراكيب ودلالاتها الخفية ،وما لها من أثر في التخاطب
والتواصل ،فها هو يص ّرح في موضوع الاستفهام أنك « ...تقول :هل عندك شعير
أو ُبـ ّر أو ت ْمـر؟ وهل تأتينا أو تحدثنا؟ لا يكون ذلك .وذاك أ ّن ( هل ) ليست بمنـزلة
الألف في الاستفهام .لأنك إذا قلت :هل تضرب ز ْيـداً ؟ فلا يكون أن ت ّدعي أ ّن
الضرب واقع .وقد تقول :أتضرب ز ْيداً ؟ وأنت ت ّدعي أ ّن الضرب واقع .وم ّما يدلّك
-6-

