Page 100 - 2015-38
P. 100

‫المقصود بالجوائح والآفات ‪ :‬أموال الناس وأنواعها من موارد الرزق ومصادر‬
‫المعاش‪ ،‬ونستنتج مما سبق تدخل قوة قاهرة وليس للإنسان أي دخل فيها؛ بدليل أنها‬
‫ترد بلفظ « شدائد الدهر»‪ ،‬وتارة أخرى بلفظ « المهمات والحوادث»‪،‬وتحمل معنى‬

                        ‫الاستئصال والهلاك‪ ،‬وأحياناً أخرى تدل على الهلاك(‪.)5‬‬
‫واعتمد المفهوم الفقهي للجائجة على ما توصل إليه فقهاء المذهب المالكي‪،‬‬
‫في تصنيف الجائحة من غيرها‪ ،‬وتحديد الآفات المعتبرة من وجهة نظر الفقه‪ ،‬على‬
‫معياري ‪ :‬معرفة الأسباب الفاعلة فيها(‪ ،)6‬وحجم الضرر الذي يترتب عليها(‪ ،)7‬حيث‬
‫اعتبر الإمام مالك المتوفى عام(‪179‬هـ‪795/‬م) « الريح‪ ،‬والثلج‪ ،‬والبرد‪ ،‬والدود‪،‬‬
‫والعفن‪ ،‬والغبار المفسد‪ ،‬جائحة»(‪ ،)8‬في حين اعتبر ابن رشد الحفيد « القحط وضد‬
‫له (السيول)» جائحة(‪ ،)9‬وذهب ابن سلمون إلى أن الآفة إذا كان مصدرها « من‬

                          ‫العطش فهي موضوعة في القليل والكثير باتفاق»(‪.)10‬‬
‫ويلاحظ من خلال المفهوم الفقهي للجائحة‪ ،‬أن مصدر الجوائح يعود إلى‬
‫الاضطرابات المناخية الفجائية أوالدورية‪ ،‬التي لا دخل للإنسان فيها ولا قدرة له‬
‫على ردها‪ ،‬بحيث لا تكون « إلا من أمر السماء لا من فعل الناس»‪ ،‬وهذا ما أشار‬
‫إليه ابن رشد الحفيد موضحاً أن الجائحة « كل ما أصاب الثمرة من السماء»‪،‬‬

            ‫وحسب ابن سلمون لا تحدث الجائحة إلا «من الآفات السماوية»(‪.)11‬‬

                                           ‫أولاً ‪ :‬جوائح القحوط والمجاعات ‪:‬‬
‫عصفت بالمغرب الأقصى خلال عصر بني مرين عدداً من القحوط والمجاعات‪،‬‬
‫كان لها أبلغ الأثر على المغرب الأقصى خلال هذه الفترة‪ ،‬وأدت إلى هلاك عدد‬
‫كبير من سكانه وتغير في خريطته السكانية‪ ،‬فالماء كما أنه مادة الحياة وأهم وسيلة‬
‫بعد الهواء لصحة الإنسان‪ ،‬ولكن فقده ُيسبب الموت والهلاك للإنسان والخسائر‬
‫الباهظة للزراعات والنفوق للحيوان؛ مما يسبب القحط والمجاعات؛ وهذا ما كان‬
‫له أبلغ الأثر على الإنسان في عصر بني مرين‪ ،‬ويسبب الجفاف انخفاض كبير في‬
‫إنتاجية الأراضي الزراعية(‪ ،)12‬فالماء هوالعامل الحاكم في ازدهار الحياة في المناطق‬

  ‫الجافة‪ ،‬و ُشح الماء هوالذي يمنع نموالنبات‪ ،‬ومن ث َّم الحيوان الذي يعتمد عليه(‪.)13‬‬
                                  ‫‪- 92 -‬‬
   95   96   97   98   99   100   101   102   103   104   105