Page 21 - 2012-34
P. 21

‫وقد تب ّين لعبد القاهر أن الانفصال بين الدراسة اللغوية والدراسة الأدبية انفصال‬
‫قد يجني على كلتيهما‪ .‬فإذا بلغت الدراسة اللغوية نضجها عطفت على الأدب وما‬
‫يستحدثه في مجال الأساليب‪ .‬وإذا أريد لدراسة الأدب أن تنجو من الكلمات المبهمة‬
‫والعبارات المرسلة والانطباعات الشخصية فلا بد أن تقيم بنـاءها على أساس من‬
‫درس اللغة‪ .‬وبعبارة أخرى‪ :‬إ ّن اللغة أنظمة يعطي بعضها بعضاً‪ .‬ولا بـ ّد أن نعرف‬
‫ما يعطيه الأدب للنحو‪ ،‬ولا ب ّد أن نعرف من وجه آخر ما يمكن أن يعطيه النحو‬

                                                                  ‫للأدب (‪.)15‬‬

‫والشعراء لا يع ّبرون فحسب من خلال الكلمات التي يؤثرونها‪ .‬فالكلمات التي‬
‫يؤثرونها تأخذ أهميتها من كلمات أخرى تعتمد عليها اعتمادا يحتاج إلى بيان‪ .‬وربما‬
‫أ ّدى حذف الكلمات في موضوع الأطلال أحياناً وظيفة أشبه بالنداء وإقامة الحوار‪.‬‬
‫ولكنه قد يؤدي قي سياقات أخرى وظيفة مناقضة إلى حد ما‪ ..‬وحسبنا الآن أن‬
‫نقول إ ّن التأويل النحوي الذي يبنى على نظام نثري يفيد فائدة غير مباشرة في تبين‬
‫الخصائص التي يقوم عليها نظام التعبير في الشعر‪ .‬وكان عبد القاهر شديد الإعجاب‬

                                            ‫ببيت أورده سيبويه في كتابه‪ ،‬هو‪:‬‬

    ‫ديـارَ ميـة إذْ مـ ّي تساعفنـا *** ولا يرى مثلها عجم ولا عرب [ البسيط ]‬
‫ففي هذا البيت قدر سيبويه فعلا محذوفاً‪ ،‬كأن الشاعر قال‪:‬اذك ْر ديار م ّيـة‪.‬‬
‫وهذا النمط من التأويل النحوي يؤدي إلى باب آخر من شرح الشعر‪..‬من حيث‬
‫اعتماده على حا ّسة الحذف‪ .‬تلك الحا ّسة التي تجعل الديار موضوعا سحريا قابلا‬
‫للحوار وقابلاً في الوقت نفسه لإثارة الإحساس بتراجع الذات‪.‬وليس هذا الحذف إذاً‬
‫نمطا من الحل ّي أو الزينة‪ ..‬وإنما يبنى بنا ًء فكرياً خاصاً من خلال اللغة‪.‬وبينما يبدو‬
‫الطلل شاخصاً أمامك إذا به يبدو من خلال كلمات محذوفة غائباً عنك‪.‬وقد يستنتج‬
‫من ذلك – من الناحية النظرية ‪ -‬أ ّن البنية النحوية السطحية صالحة للمقارنة مع‬
‫البنية النحوية التي يعتمد عليها الشاعر‪ .‬ومن خلال ما يتبدى بين هات ْين البنيت ْين‬

                                  ‫‪- 13 -‬‬
   16   17   18   19   20   21   22   23   24   25   26