Page 18 - 2012-34
P. 18

‫ذلك قائلاً « وإ ْن جعلته وص ًفا لـ (قردة) صغر معناه‪ ،‬ألا ترى أ ّن القرد لذلّه و‬
‫صغاره خاسئ أب ًدا‪ ،‬فيكون إذاً صفة غير مفيدة‪ ،‬و إذا جعلت ( َخا ِسئين) خب ًرا ثانيا‪،‬‬
‫ح ُسن وأفاد‪ ،‬ح ّتى كأنه قال‪ُ :‬كو ُنوا ِق َر َد ًة [ و ] كونوا َخا ِسئين‪ .‬ألا ترى أ ْن ليس‬
‫لأحد الاسم ْين من الاختصاص بالخبرية إلاّ ما لصاحبه‪ ،‬وليس كذلك الصفة بعد‬

‫الموصوف‪ ،‬إنما اختصاص العامل بالموصوف‪ ،‬ثم الصفة من بعد تابعة له» (‪.)12‬‬

‫فابن جني ينظر بعمق فيما توحي به الآية من المعنى‪ .‬فالمعنى النحوي المتمثل‬
‫هنا في الخبر يص ّب في المعنى السياقي المستفاد من الآية‪ .‬وبهذا يكون النحو عند‬
 ‫ابن جني أساسه المعنى والدلالة‪ ،‬انطلاقاً من المعنى النحوي إلى المعنى السياقي‪.‬‬

‫ويتجلى دور النحو في دراسة التراكيب وما تؤديه من المعاني التي تختلف‬
‫وتتنوع باختلاف هذه التراكيب وتنوعها فيما يثيره عبد القاهر الجرجاني أثناء‬
‫كلامه عن المعاني النحوية؛ فقد تم ّيـز الرجل بين كثير من نحاة عصره بنظره‬
‫الثاقب وفكره الصائب‪ ،‬إذ استطاع أن يدرك أن علم النحو لا يكفي فيه أن يكون‬
‫ع ْلما تعرف به أحوال أواخر الكلمات إعرابا وبناء‪ ،‬وإنما هو ع ْلم ن ْظم الكلم وما‬
‫يتصل به‪ ،‬في ضوء المعنى‪ ،‬من نظام ترتيب الكلمات في الجمل‪ ،‬ومقاصد التقديم‬
‫والتأخير‪ ،‬والذكر والحذف‪ ،‬وفرو ٍق في التعبير بين الخبر الاسمي والخبر الفعلي…‬
‫الخ‪ .‬ومن ثم أرجع كل مزي ٍة للتعبير أو فض ٍل فيه إلى ن ْطم الكلم ومعاني النحو‪.‬‬
‫وعلى الرغم من أن عبد القاهر قد جهد في التدليل على نظريته وتوضيحها‪ ،‬فهي‬
‫لم تجد صدى عند النحاة‪ ،‬حتى جاء السكاكي فجعل منها أصول ع ْل ٍم من علوم‬
‫البلاغة أسمــاه « عـلم المعــاني » ‪ .‬وقــد تنــاول السكاكــي موضوعات علم‬
‫المعاني بطريقة تختلف عــن طـريقــة العلماء الأوائــل الذين ذكرناهم وتختلف‬
‫كذلك عن طريقة عبد القاهر الجرجاني إ ْذ جعل السكاكي الكلام قسم ْين هما ‪ :‬الخبر‬
‫والطلب‪ .‬وتكلم في الأول ( أي الخبر ) عن الموضوعات الخبرية فتناول الإسناد‬
‫الخبري وأنواع الخبر وأغراضه ومؤكداته وخروجه على مقتضى الظاهر‪ .‬ثم‬
‫انتقل إلى المسند والمسند إليه فتكلم عن حذفهما وذكرهما‪ ،‬وتعريفهما وتنكيرهما‪،‬‬

                                  ‫‪- 10 -‬‬
   13   14   15   16   17   18   19   20   21   22   23