Page 23 - 2012-34
P. 23

‫وإذا أخذنا بهذا المفهوم الصحيح للنحو على أنه يتناول التراكيب والأساليب‪،‬‬
‫استطعنا أن ندرك تلك التنوعات الدلالية الناتجة عن تنوع هذه التراكيب والأساليب‪.‬‬
‫وسنورد في هذا الشأن أمثلة للتوضيح‪ .‬ففي باب ذكر المسند إليه مثلاً‪ ،‬يقول الشاعر‬

                                                                 ‫امرؤ القيس‪:‬‬

   ‫بالله يا ظبيات القاع قُـلْن لنـا ** ليلاي منك ّن أم ليلى من البشر [ البسيط ]‬

‫« ففي ذكر المسند إليه « ليلاي « ( في موضع الابتداء ) وهي علم محدد‬
‫الدلالة مع تكريره‪ ،‬وارتباطه بهذا السياق الزاخر بالمشاعر التي تفيض بها نفس‬
‫الشاعر يجعل استحضاره له مصدراً ثـ ّراً بالسعادة له‪ ،‬ومحققا لمزيد من المتعة التي‬

            ‫تكشف عنها هذه الصياغة التي توحي للمتلقي بمثل هذه الدلالات (‪.)20‬‬

‫ويمكننا أن نقــارن بين أثـــر الحــذف والــذكــر فــي الدلالة لنتبـ ّين كيف‬
‫يسهم كــل منهمــا مـتـآزراً مــع غيره من الوسائل في الكشف عن القوة التعبيرية‬
‫للتراكيب المختلفة‪ .‬ففي قوله تعالى ‪ ( :‬ولئن سألتهم مــن خلــق السمــوات والأرض‬
‫ليقــول ّن الله‪ (....‬الآية )» [ الزمر‪ ] 38/‬حذف المسند لأ ّن الآية جاءت في سياق الرد‬
‫الحاسم الــذي يقتضي ذكر المسند إليه ( الله ) لأنه المسؤول عنه‪..‬وفي قوله تعالى‪:‬‬
‫( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقول ّن خلقه ّن العزيز العليم ) [ الزخرف‪]9/‬‬
‫ذكر المسند (خلقه ّن) لأ ّن الآية جاءت في سياق البسط والعرض للإقناع بعظمة‬
‫الله وقدرته سبحانه وتعالى‪ .‬مع أ ّن الآيتين الكريمت ْين يعرض بهما القرآن الكريم‬
‫لموقف المشركين وتناقضهم واعترا ِفهم بخلق الله للسموات والأرض والشر ِك به‪..‬‬
‫فالملاحظ أنه ل ّمـا تنـ ّوع السياق تنـ ّوعت التراكيب بحيث نستشعر أهمية الحذف في‬
‫مكانه وأهمية ال ّذكر في موضعه حتى تتساوق الدلالات(‪ .)21‬ونستطيع نتبـ ّين أيضا‬
‫علاقة التركيب النحوي بالدلالة من خلال أسلوب التقديم والتأخير‪ .‬وهو باب واسع‬
‫كثير الفوائد كما قال الجرجاني‪ ،‬لكننا نكتفي منه بمثال عن أثر التركيب المنفي مع‬

                                 ‫التقديم في توجيه الدلالة‪ .‬فعندما يقول الشاعر‪:‬‬
                                  ‫‪- 15 -‬‬
   18   19   20   21   22   23   24   25   26   27   28