Page 17 - 2012-34
P. 17
وبهذا نتب ّين أ ّن الإخلال بالتركيب النحوي يؤدي إلى اختلال المعنى .ولو كان
النظر إلى هذا التركيب في ظاهره من غير مراعاة ما فيه من تقديم وتأخير لما
اهـ ُتـد َي إلى المعنى الصحيح المقصود منه.
ولا يفوتنا ما في هات ْين الآيت ْين من أسرار بلاغية ،لنشير إلى أ ّن ورود الآيتـ ْين
بهذا التقديم والتأخير ينطوي على أبلغ عبارة وأحسن إشارة إلى المعنى المقصود
فيهما .فقد اقترن الإرجاع بالقدرة ،واقترن الاثنان معاً بيوم تبلى السرائر؛ كما أ ّن
بلاء السرائر جاء في عقب الآيت ْين ،كما يأتي ذلك اليوم -بالفعل -في عاقبة حياة
الإنسان والكون؛ وكما يتعلّق قوله تعالى ( يوم تبلى السرائر ) وهو في نهاية هذا
التركيب بقوله ( على رجعه ) وهو في بداية التركيب،كذلك يتعلّق حساب المرء في
الآخرة بما كسب في الأولى .وهذا من أسرار القرآن الحكيم .وهذا المعنى – كما
ب ّيـ ّنا -لم يخالف إعراباً إذا روعي ما فيه من التقديم والتأخير..
والجدير بالملاحظة أ ّن ابن جني لا يقلّل من شأن الإعراب ،ويجعله مخالفاً
للمعنى -كما يعتقد البعض من الذين يرومون النيل من الإعراب -وإنما يريد هنا
بالإعراب ما يبدو من علاقات ظاهرة بين أجزاء التراكيب ،ويتكلم في الوقت نفسه
عن المعنى الذي قد يكون خافياً يحتاج إلى التأويل وإمعان النظر في التراكيب
لإدراكه .لأ ّن تقدير هات ْين الآيت ْين ( إنه على رجعه يوم تبلى السرائر لقادر ) لا
يتنافى مع الإعراب الصحيح الذي يرا َعى فيه التقديم والتأخير ،وما يترتب على
تنوع التراكيب من تنوع في المعاني .ويريد ابن جني بالمعنى هنا المعنى السياقي
الذي يستفاد من النصوص بحسب المراد منها.
وهناك عدة شواهد وأدلّة من الخصائص يراعي فيها ابن جني قضايا المعنى
ويصله بالإعراب بوشائج قوية؛ ولنأخذ مثالا على ذلك من خلال تحليله للآية
الكريمة في قوله تعالىُ ( :كو ُنوا قِ َر َد ًة َخا ِسئين ) [ البقرة ] 65/فهو يرى أ ّن ( َخا ِسئين)
ليست صفة لِـ (قردة ) بل هي خبر ثا ٍن لِـ (كان) ،والخبر الأول هو (قردة ) ويوضح
-9-

