Page 19 - 2012-34
P. 19
وتقديمهما وتأخيرهما ..وغير ذلك من حالاتهما المختلفة..كما تناول موضوعات
الفصل والوصل والإيجاز والإطناب والقصر .وتكلّم في الثاني (أي الطلب) عن
الموضوعات الإنشائية وهي :التمني والاستفهام والأمر والنهي والنداء.ثم انتقل إلى
استعمال الخبر بدل الإنشاء والعكس .وتناول موضوعات أخرى بعد ذلك ..وهذا
كله إ ّنما يدل على امتزاج الدراسة النحوية بالمعاني والمقاصد والأغراض البلاغية.
إ ْذ كانت موضوعات النحو عنده موضوعات بلاغية.
وبما أ ّن النحاة كانوا من الق ّراء والمفسرين ،فقد كان للقراءات القرآنية أثر بارز
في توجيه المعنى في النحو العربي ،إلى ح ّد أ ّن ث ّمة « قراءات تولّد ْت عنها قواعد
نحوية مختلفة ،أو شارك ْت في بناء تلك القواعد ،وقراءات أُ ّيد ْت بها قاعدة نحوية،
وقراءات ُر َّد ْت بها قاعدة نحوية ،وقراءات ترتبت عليها وجوه إعرابية في الآية
الواحدة ،وقراءات تولّد ْت عنها طرائف نحوية)13( »..
بعد الذي ب ّيـ ّنا من اهتمام النحاة القدامى بقضايا التراكيب والجمل ومعانيها -وما
هو إلاّ غيض من فيض -هل يبقى لأحد أن يتهم النحاة بتقصيرهم في بحث الجملة،
وهل يستطيع أحد أن ينكر عليهم عنايتهم بالمعنى والدلالة ،وهم الذين تص ّدوا لوضع
قانون العربية ودستورها النحوي انطلاقا من استقراء لغة العرب؛ كما تصدوا
لتفسير آي القرآن الكريم انطلاقا مما استنبطوه من القواعد والأحكام التي استقى
منها المتأخرون منهم أصول نظرياتهم ،كما فعل الجرجاني الذي بنى نظريته في
النظم على توخي المعاني النحوية فيما بين الكلمات ومراعاة قوانين الكلام العربي
وأحكامه .فهو يتحدث عن المعاني الوظيفية من ابتداء وخبرية وفاعلية ومفعولية
وغير ذلك ،وهل هي إلاّ أنواع الجمل وأنماطها التركيبية ؟ وهل كان الجرجاني إلاّ
ناهلاً من معين من سبقه من النحاة أمثال سيبويه وابن جني وغيرهما..
وبهذا يتبين لنا جلياًّ أن النحو العربي ،منذ بداياته ،لم يغفل دراسة المعنى،
بل كانت الدراسة النحوية قائمة على العناية بالمعنى ،ودلالة التراكيب الاسمية
- 11 -

