Page 22 - 2012-34
P. 22

‫تتضح وجوه الدلالة‪ ..‬وبعبارة أخرى يقارن عبد القاهر بين البنية النحوية السطحية‬
‫أو النثرية والاستعمال النحوي الخاص أو الدا ّل في الشعر(‪ .)16‬ومن خلال المقارنة‬
‫تتضح أوجه من شرح الشعر جديرة بالعناية‪ .‬بل إ ّن الكثير من القيم الفنية لا‬
‫يمكن اكتشافها والوصول إليها إلاّ من خلال المقارنة بين البنـيتـ ْين المذكورت ْين‪».‬‬
‫فالمعنى النفسي مبن ّي على المعنى النحوي في السياق اللغوي‪ .‬وإ ّن ترتيب الألفاظ‬
‫في استعمالها في السياق اللغوي قائم على المعاني النفسية المبنية على المعانـي‬

                                                               ‫النحوية »(‪.)17‬‬

‫ويتكلم عبد القاهر الجرجاني عن العلاقة بين بنية التركيب ودلالته‪ ،‬فيذكر أن‬
‫الإخبار بالاسم يد ّل في الأصل على ثبوت الحكم من غير تجدده‪ .‬ومثال ذلك قولنا‪:‬‬
‫زيد منطلق‪ .‬ففيه إثبات لانطلاق زيد من غير دلالة على تجدده شيئاً فشيئاً‪ .‬أ ّما‬
‫الإخبار بالفعل فيد ّل على الحدوث والتج ّدد شيئاً فشيئاً‪ .‬فإذا قلنا‪ :‬زيد ينطلق فذلك‬

                    ‫يد ّل على أ ّن زيداً يزاول الانطلاق و ُي ْحدثه جزءاً فجزءاً (‪.)18‬‬

‫فكم نرى من الباحثين الذين يتهمون النحو العربي بالشكلية والجمود‪ ،‬وما‬
‫ذاك إلاّ لأنهم أخذوه ع ّمن يزهد فيه ويجهل حقيقـته‪ .‬فهم مح ّقون إ ْذ يتهمون هؤلاء‬
‫الزاهدين فيه الجاهلين لحقيقته‪ .‬وهم ليسوا على ح ّق حين يتهمون النحو العربي‬
‫في ذاته بالشكلية والجمود والقصور‪ « .‬لكن النظرة المنصفة للنحو تجعله قرينا‬
‫بالإبداع‪ ،‬وليس فقط وسيلة لضبط نهايات الكلمات‪ .‬وقد كانت هذه هي نظرة السلف‬
‫إلى النحو كما يتضح في « الكتاب « لسيبويه حيث كان يعنى بأثر النحو في‬
‫دلالة التراكيب‪ ،‬كما في التقديم والتأخير مثلاً‪ .‬وهي النظرة التي هد ْت عبد القاهر‬
‫الجرجاني فيما بعد إلى فكرة النظم بأصولها الفنية‪ ،‬حتى إنه من الم ّتفق عليه الآن‬
‫إدراك التقارب بين كثير من جوانب الأسلوبية وجوانب البلاغة المضيئة في تراثنا‪،‬‬
‫والتي يصبح من حقها علينا أن نحسن توظيفها في التعامل بها مع النصوص لتسهم‬

    ‫في استكشاف أبعادها وعلاقاتها الداخلية ومستوياتها الصوتية والدلالية (‪.»)19‬‬
                                  ‫‪- 14 -‬‬
   17   18   19   20   21   22   23   24   25   26   27