Page 20 - 2012-34
P. 20
والفعلية ،والخبرية والإنشائية ،وغيرها من أصناف التراكيب ،م ّما يد ّل على عناية
النحاة بالمعنى في ضوء دراستهم للجمل والتراكيب ،غ ْير أنهم استعملوا مصطلحات
زمانهم ،وشرحوا أفكارهم انطلاقا من نظرتهم إلى اللغة ،على أنها وسيلة اتصال
وتبليغ ،وهذا يعني أ ّن نظرتهم إلى النحو كانت نظرة وظيفية ،كما يع َّبر عنها في
زماننا اليوم.
بل إ ّن النحاة كانوا هم أصحاب الفضل في إنارة السبيل ،وتمهيد الطريق
للبلاغيين الذين استفادوا كثيراً من منطلقاتهم في التفكير النحوي ،واستطاعوا أن
يبنوا عليها أسس كثير من الأبواب ،كما هو الشأن في باب الأغراض البلاغية.
ويتجلى أثر النحاة في البلاغيين أكثر ،من خلال المعاني الذي هو معدود ضمن
البلاغة ،وهو ما يمكن أن نسمه بالبلاغة النحوية ،أو النحو البلاغي .وهذا دليل على
التواشج القائم بين النحو والمعاني والأإراض ،انطلاقا من دراسة الجمل والتراكيب
والأساليب والبحث في معانيها المختلفة.
إ ّن علاقة النحو بالمعنى تتسع لتشمل جوانب أخرى من دراسة المعنى ،وهي
قضايا دلالية فنية وأسلوبية وغيرها ،تتجاوز حدود الألفاظ إلى علاقاتها فيما بينها،
وأبعادها وإيحاءاتها الدلالية التي نتبينها من خلال دراستنا للشعر العربي ،مثلاً.
وفي هذا الإطار ق ّدم نحاة العربية جهوداً ق ّيمة تتمثل فيما قاموا به « من
مناهضة المناطقة والمتعصبين .فقد زعم النحاة في وجه هؤلاء أ ّن صناعة النحو
هي بحث عن المعنى وليست اشتغالا بالألفاظ...وأدرك النحاة أن صناعة البحث
عن المعنى وتع ّمق اللغة أمران يشرف أحدهما عن الآخر .و ُخـ ِّي َل إليهم أ ّن من
الضروري التمييز بين الأغراض التي تنهض بها اللغة .فهناك تمييز طفيف مبهم
بين كلمة الإعراب وكلمة الحديث ،بين الإخبار والاستخبار ،بين النداء والتم ّني.
وهذه كلها أنماط فكرية يجب تعميقها ومعاودة البحث فيها(.)14
- 12 -

