Page 24 - 2012-34
P. 24

‫وما أنا أسقمت جسمي بـه ** ولا أنا أضرمت في القلب نـارا [ السريع ]‬

‫فهو قد ق ّدم النفي على الفاعل المذكور ليد ّل بذلك على أنه ليس هو الفاعل‪.‬‬
‫ولكنه في الوقت نفسه لم ينف الفعل عن كل فاعل‪ ،‬إ ْذ يمكن أن يكون غيره هو‬
‫الفاعل لذلك الفعل‪ .‬ولو قال‪ :‬ما أسقمت جسمي من غير أن يجعل النفي مسلّطاً على‬
‫المسند إليه لكان للتركيب دلال ٌة أخرى تتمثل في نفي الفعل مطلقاً لا عن نفسه فقط‪.‬‬

                    ‫ومن أمثلة التقديم في التركيب المنفي قول الشاعر أبي النجم‪:‬‬

     ‫قد أصبحت أ ّم الخيـار تـ ّدعي ** علـيَّ ذنبـا ًكلُّـه لـم أصنـع [ الرجز ]‬
‫برفع لفظ ( ك ّل ) على الابتداء وما بعده خبر له‪ .‬ليد ّل ذلك على أ ّنه يريد أن‬
‫ينفي عن نفسه ك ّل ذنب صغيراً كان أم كبيراً‪ ،‬فهو لم يصنع منه شيئاً‪ .‬ذلك أنه ل ّما‬
‫جاء لفظ العموم سابقا للنفي مسلّطاً عليه د ّل على عموم النفي كما يس ّميـه البلاغيون‪..‬‬
‫ولو نصب لفظ ( ك ّل ) لتغ ّيرت الدلالة إلى إثبات بعض الذنب لنفسـه‪ .‬ويكون المعنى‬
‫على العكس من ذلك لو جاء النفي سابقاً للفظ العموم مسلّطاً عليه‪ ،‬فيحمل التركيب‬
‫عندئذ دلالة أخرى تتمثل في نفي بعض الفعل وإثبات بعضه‪ ،‬كما في قول المتنبي‪:‬‬

   ‫ما كل ما يتمنى المرء يدركه ** تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن‪ [ .‬البسيط ]‬
‫وش ّتان بين هذا المعنى وذاك‪ .‬ففي الأول نفي للفعل على الإطلاق‪ ،‬وفي الثاني‬
‫إثبات له‪ ..‬والذين لا يدركون قيمة تنوع التركيب وما ينتج عنه من تن ّوع الدلالة‬

                                     ‫يجيزون رواية البيت برفع (ك ّل) ونصبها‪.‬‬

‫والأمثلة كثيرة على توجيه الدلالة عن طريق تنوعات التركيب وما يحمله من‬
‫المعاني‪ .‬ونستطيع أن نتـب ّيـنها من خلال التراكيب والأساليب النحوية المختلفة التي‬
‫درسها البلاغيون ضمن أبواب علم المعاني‪ .‬وهي معا ٍن نحوية بلاغية في آن واحد‪.‬‬

‫ومن هنا تأتي أهمية دراسة هذه الأساليب والتراكيب بالنظر إلى ما تحمله‬
‫من الدلالات المتنوعة بتنوع السياقات ‪ »..‬لذلك كانت محاولة الدارسين في ميدان‬

                                  ‫‪- 16 -‬‬
   19   20   21   22   23   24   25   26   27   28   29