Page 42 - 2015-38
P. 42
عقول الأحباش طوال العصور الوسطى ،وحتى وقت قريب من العصر الحديث ،ولك َّن
هذا النسب لايخرج عن كونه أسطورة؛ لأنه لو كان حقيقة لتعصب ملوك الحبشة الأوائل
للدين اليهودى ،ولعملوا على نشره ،وما اعتنقوا المسيحية فى سهولة ويسر كما حدث
بعد ذلك خلال القرن الرابع الميلادي ،وكذلك لما قاتل الأحباش الملك اليهودي ذى نواس
الذي اضطهد النصارى فى نجران فى جنوب بلاد الجزيرة العربية(.)72
ولك َّن الأمر لم يقف عند حد تأثير اليهود في مسيحية الحبشة ،إذ أن ذلك حدث
خلال فترة التلاقى الأولى بين الديانتين على أرض الحبشة ،ثم تغير الوضع ،فأصبحت
المسيحية أكثر تأثي ًرا في اليهود ،ويكفى هنا أن نذكر أن معظم الكتب المقدسة التى
أعتمد عليها اليهود الأحباش وصلت إليهم من خلال كنيسة الحبشة خاصة خلال القرنين
الثامن والتاسع الهجريين /الرابع عشر والخامس عشر الميلاديين ،وكان من بين تلك
الكتب عدد كبير يخص اليهود مثل حياة إبراهيم واسحاق ،ويعقوب ،ومحادثة موسى،
وموت موسى ،وبعض الكتب الخاصة بالطقوس اليهودية ،كما استخدم الطرفان نفس
اللغة المقدسة (الجعزية) ،واشتركا في العديد من النصوص المقدسة ،وكانت الدرجات
الدينية لديهما متشابه إلى حد كبير ،وفي قلب هذه الصورة من التأثير والتأثر بين
الديانتين يأتى الأعتقاد بأنهما أحفاد حقيقيين لنبى الله سليمان عليه السلام( ،)73وقد ازداد
هذا الدور الذى لعبته الكنيسة في حياة يهود الحبشة نتيجة لعزلتهم التامة عن يهود العالم
حتى تعرضت عقيدتهم لكثير من التشويهات ،خاصة مع فقدانهم للغتهم العبرية وعلى
هذا النحو فقد كان التأثير متبادل بين الديانتين خلال فترة العصور الوسطى(.)74
- 2النصرانية :
انتشرت المسيحية فى شرقي أفريقيا ،وخاصة فى الحبشة نتيجة لصلاتها
الاقتصادية بالدولة البيزنطية( ،)75فعلى أيدي تجار المدن الشرقية للبحر المتوسط(،)76
وفى مقدمتها مدينة صور( )77التى أرسل راعى كنيستها بعض المنصرين
والتجار( )78إلى تلك الجهات لنشر المسيحية فيها ،ولك َّن السفينة التي استقلها أؤلئك
المنصرين تعرضت للهجوم من قبل القراصنة قبالة السواحل الشرقية لأفريقيا،
وتعرض جميع من فى السفينة للقتل إلا رجلين هما فرومنتوس(،)Fromentius
- 34 -

