Page 44 - 2015-38
P. 44

‫وهكذا وفي غضون عشر سنوات من وصول المسيحية إلى الحبشة تم تعيين‬
‫أول أسقف لكنيستها‪ ،‬وفرح الأحباش بذلك فر ًحا شدي ًدا‪ ،‬وأطلقوا على فرومنتيوس‬
‫اسم أبونا سلامة معلن النور‪ ،‬وأصبحت المسيحية هى الديانة الرسمية فى الحبشة(‪)88‬‬
‫بعد أن اعتنقها الملك عيزانا في القرن الرابع الميلادي‪ ،‬وسمح بالدعوة لها بين‬
‫الأحباش‪ ،‬وقد كان لجهود فرومنتيوس وأدويسوس دو ًرا بار ًزا فى ذلك(‪ ،)89‬هذا‬
‫فضلاً عن جهود التجار اليونانيون والرومان من خلال العلاقات التجارية التي‬
‫ربطت بين الحبشة والامبراطورية الرومانية في ذلك الوقت(‪ ،)90‬وعلى الرغم من‬
‫ذلك ارتبطت كنيسة الحبشة الناشئة بالكنيسة المصرية برباط التبعية‪ ،‬وعندما نشب‬
‫الخلاف المذهبي بين المسيحيين خلال القرن الخامس الميلادي حول طبيعة السيد‬
‫المسيح‪ ،‬وذلك بين من يقولون بالطبيعة الواحدة للسيد المسيح‪ ،‬وبين من يقولون‬
‫بالطبيعتين انحاز الأحباش وأخذوا بمذهب الطبيعة الواحدة الذي هو مذهب الكنيسة‬

                                                                ‫المصرية(‪.)91‬‬

‫وبعد أن و ُضعت اللبنة الأولى للمسيحية فى الحبشة‪ ،‬وكانت قاعدتها في أكسوم‬
‫فى الأجزاء الشمالية من إقليم التيجرى(‪)92()Tigray‬انتقلت بعدها المسيحية إلي أقاليم‬
‫أخرىكإقليم لاستا(‪ )93()Lasta‬إلي الجنوب من التيجرى ثم إلي شوا(‪ )94()Shwa‬فى‬
‫جنوب الهضبة الحبشية(‪ ،)95‬وقد لعب رجال الدين وخاصة الرهبان دو ًرا فاعلاً‬
‫فى تثبيت أركان الدين الجديد فى الحبشة‪ ،‬وتنافس فى ذلك الرهبان السوريون‬
‫والمصريون‪ ،‬ففي القرن الخامس الميلادي وصل إلي الحبشة تسعة رهبان سوريون‪،‬‬
‫وقاموا بجهود كبيرة فى نشر المسيحية‪ ،‬والفكر الرهباني في الحبشة(‪ ،)96‬ولكن يظل‬
‫الرهبان المصريون هم من حملوا عبء نشر المسيحية في الحبشة منذ القرن‬
‫السادس الميلادي‪ ،‬حتى أضحت كنيسة الإسكندرية هى مصدر الإلهام الروحى‬
‫للأحباش(‪ ،)97‬فمطران الحبشة دائ ًما ما يتم اختياره من بين الرهبان المصريين‪،‬‬
‫وفي كنيسة الإسكندرية تتم رسامته‪ ،‬ثم يرحل إلى الحبشة ليصبح رئيس كنيستها‪،‬‬
‫وهيئتها الدينية بكاملها‪ .‬وهو الذي يضطلع بت َّرسم القسس الأحباش الذين يعملون‬

              ‫لنشر المسيحية وإقامة الشعائر الدينية في مختلف ربوع الحبشة(‪.)98‬‬

                                  ‫‪- 36 -‬‬
   39   40   41   42   43   44   45   46   47   48   49