Page 48 - 2015-38
P. 48

‫في مجتمع مكة الوثنى في ذلك الوقت(‪ ،)125‬وهناك سؤال مهم في هذا المقام وهو هل‬

     ‫كانت هجرة الحبشة بسبب الاضطهاد الذي تعرض له المسلمون في مكة فقط؟‬

‫إن هجرة المسلمين إلى الحبشة في السنة السادسة من البعثة وإن كان سببها‬

‫الظاهر هو الأذي الذي تعرض له المسلمون على أيدى كفار قريش‪ ،‬إلا أن هذا‬

‫السبب لم يكن الوحيد لهجرة المسلمين‪ ،‬خاصة إذا استعرضنا أسماء من هاجر من‬

‫صحابة النبي ( ) نجد بعضهم من سادات وأشراف مكة من بني أميه‪ ،‬وبني عبد‪‬‬

‫شمس‪ ،‬وبني أسد‪ ،‬وبني مخزوم‪ ،‬وبني عبد الدار‪ ،‬وبني زهرة‪ ،‬وبني عدي بن‬
‫كعب(‪ .)126‬في حين أن من ظل بمكة من الصحابة هم الأقل عد ًدا وناص ًرا من أمثال‬

‫بلال بن رباح وصهيب الرومى‪ ،‬وبناء على ذلك لم تكن هجرة الحبشة بسبب أذي‬

‫قريش للمسلمين فحسب‪ ،‬وإنما كانت في ذات الوقت سفارة من الرسول للدعوة إلى‬
‫الإسلام كونه رسالة عالمية وأن الرسول أُرسل للناس كافة؛ والدليل أن النجاشي‬

‫نفسه اعتنق الإسلام‪ ،‬كما أرسل وف ًدا حبش ًيا لمبايعة الرسول ( )(‪ ،)127‬وفي نفس‪‬‬

‫الوقت أكسبت تلك الخطوة المسلمون ظهي ًرا قو ًيا بعد أن وفر النجاشي الحماية‬
‫للمسلمين في بلاده‪ ،‬فأوحي ذلك إلى القرشيين بأن تحال ًفا ما قد ينشأ بين المسلمين‬

         ‫والأحباش مما قد يهدد موقف قريش اقتصاد ًيا وسياس ًيا في آن واحد(‪.)128‬‬
‫وتمثل تلك الهجرة أول اتصال رسمى للإسلام بقارة أفريقيا(‪ ،)129‬ولكن لماذا‬

‫اختار النبي ( ) الحبشة لتكون مهج ًرا للمسلمين؟ إن اختيار النبى( ) للحبشة‪ ‬‬

‫كدار هجرة للمسلمين‪ ،‬كان لعدة اعتبارات منها موقع الحبشة الجغرافي فالسفر إليها‬

‫لا يزيد عن كونه عبور البحر‪ ،‬كما أن الحبشة هي أقرب البلاد التى يربطها بالعرب‬
‫تاريخ مشترك(‪ ،)130‬والحبشة كانت أر ًضا مالوفة للعرب بسبب التجارة(‪ ،)131‬والسفر‬
‫إليها كان أهون على المسلمين من اختراق شبه الجزيرة العربية شمالاً أو جنو ًبا في‬
‫محيط من القبائل المعادية للإسلام(‪،)132‬أضف إلى ذلك العلاقة المميزة بين المسيحية‬
‫والإسلام كديانتين سماويتين(‪ ،)133‬إذ يقول المولي عز وجل في كتابه العزيز‪َ }َ :‬ل َت ِج َد َّن‬

‫أَ ْق َر َب ُه ْم َم َو َّد ًة لِلَّ ِذي َن آ َم ُنوا الَّ ِذي َن َقالُوا إِ َّنا َن َصا َرى َذلِ َك ِبأَ َّن ِم ْن ُه ْم ِق ِّسي ِسي َن َو ُر ْه َبا ًنا َوأَ َّن ُه ْم لاَ‪‬‬

‫َي ْس َت ْك ِب ُرو َن{ [المائدة ‪ ،]82 :‬هذا فضلاً عن علم النبي( ) بحال النجاشى وكونه ملك‬

                                  ‫‪- 40 -‬‬
   43   44   45   46   47   48   49   50   51   52   53