Page 51 - 2015-38
P. 51

‫ومع ازدياد أواصر العلاقة بين المسلمين على الجانبين أخذ الأحباش النصاري‬
‫في التقوقع داخل كتلتهم الجبلية‪ ،‬كما أن التوسعات الإسلامية في الشمال وخروج‬
‫مصر والشام من أيدي الرومان ضاعف من عزلة الأحباش بعد انقطاع العلاقة‬
‫تما ًما بينهم وبين العالم المسيحي(‪ .)152‬وعلاوة على ذلك فقد أضعف تيار الهجرة من‬
‫قوة الحبشة في مواجهة الأخطار المحيطة بها خاصة من جانب الشعوب التي سبق‬
‫وأحتل الأحباش أراضيهم مثل الأجاو‪ ،‬والأورومو‪ ،‬والأعفار‪ ،‬والسيدامو؛ حيث‬
‫خرجت تلك الأجزاء من نطاق الحبشة‪ ،‬بل وسيطروا على طرق التجارة الخارجية‪،‬‬

 ‫ونجحت بعض القبائل في تكوين أسر ملكية حكمت الحبشة لفترة من الوقت(‪.)153‬‬

‫وفي الوقت ذاته الذى اعتصمت فيه المسيحية بالمرتفعات الداخلية نجد الإسلام‬
‫ينتشر بصورة تلقائية بين القبائل الوثنية في المناطق الساحلية‪ ،‬وقد حدث ذلك‬
‫على ثلاثة مراحل الأولى عندما يقلد الوثنيون مظاهر الحضارة الإسلامية وأكثرها‬
‫وضو ًحا اللباس والطعام‪ ،‬والمرحلة الثانية تحدث عندما يقتبسون من الدين الإسلامي‬
‫نفسه‪ ،‬وينظرون إلى الفقيه نظرة إجلال كنظرتهم للساحر في القبيلة‪ ،‬وأما المرحلة‬
‫الأخيرة فتنتهي بدخولهم الإسلام عن اقتناع كامل فنجدهم يؤدون الصلاة ويصومون‬

                                             ‫ويحجون إلى بيت الله الحرام(‪.)154‬‬

‫وخلال القرن الرابع الهجري‪ /‬العاشر الميلادي كان الإسلام قد ضرب بجذور‬
‫قوية وعميقة في المناطق الساحلية شرق وجنوب شرق الحبشة‪ ،‬وفي الوقت نفسه وقفت‬
‫الظروف الطبيعية حائلاً أمام أنتشار الإسلام في قلب الهضبه الحبشية؛ ربما كان ذلك‬
‫بسبب اختلاف طبيعة الأرض في الحبشة عن تلك المناطق التى قدم منها المسلمون‪،‬‬
‫فالحبشة بطبيعتها محصنة بعدد من الجبال المرتفعة والأودية السحيقة التي تقسم هضبة‬
‫الحبشة إلى عدة مناطق‪ ،‬وتعيوق عملية الاتصال(‪ .)155‬ولكن بمرور الوقت صار ميناءي‬
‫زيلع ومصوع يمثلان منفذين مهمين تسربت عبرهما ومن خلال الطرق التجارية‬
‫المؤثرات الإسلامية وانتشرت بين بدو الأعفار‪ ،‬كما أصبح ميناء سواكن فيما بعد‬
‫أحد أهم منافذ الهجرات العربية إلى الحبشة عبر أرض البجه(‪ )156‬غير أنهم اصطدموا‬

    ‫بالبليين المسيحيين الذين عطلوا تقدم الإسلام في تلك الجهات لفترة من الوقت(‪.)157‬‬

                                  ‫‪- 43 -‬‬
   46   47   48   49   50   51   52   53   54   55   56