Page 82 - 2015-38
P. 82
وقد استمر ذلك الشكل الرسمي للقرصنة من الجانب النصراني حتى عصر
الحفصيين ،فعلى سبيل المثال في عام683هـ1284/م أخذ النصارى بقيادة أمير
البحر المنطلق من صقلية روجير دي لوريا جزيرة جربة وأسروا من شبابها ثمانية
آلاف وقتلوا الصغار ونهبوا الأمتعة والأموال ،فحملوا ما نهبوه من أموال ومتاع
الكثير في سفنهم التي هي نحو السبعين وفي سفن الجزيرة التي هي نحو الثلاثين(.)45
كل ذلك حدا بحكام المغرب الأدنى في تلك الفترة برد رسمي لتلك الهجمات
النصرانية ،فقد دفع ذلك بني زيري وبني حماد إلى الغزو البحري ضد مراكب النورمان،
للدفاع عن موانيهم ومدنهم الساحلية التي أصبحت عرضة للهجوم ،فقد أولى يحيي بن
تميم عمليات الغزو في البحر اهتمام كبير ،متمثلة في غارات خاطفة ومناوشة السفن
التجارية المسيحية بدون انقطاع ،بواسطة مجموعات صغيرة من المراكب ،لا تترك
المجال لردود فعل العدو إلا في حدود ضيقة للغاية .ذلك هو حسبما يبدو برنامج يحيي
الذي طبقه خلفاؤه من بعده ،وبفضل تلك الخطة التي تتضمن أقل ما يمكن من المخاطر
وأكثر ما يمكن من المنافع ،سمحت الغزوات البحرية الإفريقية لما بلغت أوج نشاطها،
بتضليل العد ّو ونشر الرعب في كامل الحوض الغربي من البحر المتوسط ،والهجوم
على الجمهوريات الايطالية المطلة على البحر التيراني وسواحل البروفنس(.)46
كمـا يظهر حـالات للقرصنة الرسـمية فـي عهد الموحـدين مـن قبل حـكام صغار
نسبياً ،مـثل حـكام بـعض المدن المغربية الساحلية ،وهذا ما حدث من قبل حاكم
مدينة طرابلس عندما استولى علي سفينة بيزية محملة بالقمح واعتقل جميع ركابها
بما فيها من تجار ،وذلك عـن طريق سفينة حربية تابعة لـه مـن نوع غراب (.)47
ورغم أن إفريقية الحفصية كانت مراراً وتكراراً ضحية لذلك النظام في سفنها
التجارية وفي أشخاص رعاياها ومكاسبهم ،فقد استفادت أكثر مما تضررت منه.
وقد كانت السفن المجهزة من طرف الحكومة أو من بعض التجار تنطلق من بجاية
أو عنابة أو تونس أو المهدية .وكثيراً ما كانت تعيث فساداً في البحر وفي سواحل
الحوض الغربي من البحر المتوسط ،وقد كانت السلطة الحفصية تسعي بصورة
رسمية على الأقل إلى مكافحة القرصنة ولا تتسامح إلا في الغارات الموجهة ضد
- 74 -

